من يوميات كورونا - في مالمو

13 يناير  .   3 دقائق قراءة  .    408

من أعمال الفنان علي نجار

البارحة، وأنا أحب ترديد وسماع كلمة البارحة أكثر من كلمة الأمس. ربما لشغفي المبكر في السماع لأغنية (البارحة يا محبوب) لمطرب الإذاعة العراقية (حضيري أبو عزيز) في حفلاتها الحية لكل يوم جمعة من أعوام الخمسينات من القرن المنصرم. وبشكل خاص من أصوات (راديوات) مذياعات أيام زمان في سوق البزازين من تلك المدينة التي غادرتها بداية الستينات. المهم البارحة كسرت الحظر وخرجت أنا وزوجتي بعد أن تأكدنا من تثبيت الكمامات بشكلها الصحيح.

من  أعمال الفنان علي نجار

كان هدفنا التسوق. وصادف أن التصق بي كهل أمام حزام استلام البضاعة التي تسوقها خوفا من أن اعتدى على القليل من المواد الغذائية ومكملاتها التي تسوقها، والتي أخذت سبيلها في نفس اتجاهنا لكن خلف سدها المعدني المتحرك الفاصل المنخفض. لم أهتم له في البداية وأنا متعود في مدينتي السويدية الجنوبية (مالمو) على تصرف كبار السن، سواء من السويديين الأصليين أو من المهاجرين المقيمين. لكني تفاجأت بأنه لا يضع الكمامة ويتزاحم مع غيره. لم يكن بيدي غير أن انسل من ورائه بتؤدة بدون أن أنبهه لفعلته تخلصا من الرذاذ التي يتطاير من فمه لو أجابني بنرفزة عهدته في غيره. علما بأن تعليمات السلطات الصحية صدرت قبل خمسة أيام توصي باستعمال الكمامات خارج المنزل. فمن لي بأن ينصح صاحبنا بذلك؟ بل من لي بأن يقنعه؟

من  أعمال الفنان علي نجار

والكثير هنا في (مالمو) لا يتقيدون بالتوجيهات الصحية الضرورية لتجنب الإصابة بالوباء. بل، بعد إجراء استفتاء عن تناول حقنة مضاد الفايروس التي استوردتها الدولة، والتي عملت مختبراتها السويدية مع المختبرات البريطانية لتحضيرها، اتضح أن سبعون في المائة من الجالية العربية في استوكهولم لا يودون أخذ جرعاتها. لذلك كثرت حالات الإصابة في عموم السويد وفي مقاطعتنا (سكونه) ولم تعد الخدمات الصحية تكفي.

من  أعمال الفنان علي نجار

اليوم ولكوني أعاني بعض الشيء من أوجاع الكلى (المبتلية بداء مزمن) قررنا أنا وزوجتي، ومن لي بغيرها، فنحن الاثنان في السكن لوحدنا. فراراً من وحشته وكآبته، ومن أجل تحريك مفاصلنا المتعبة، قررنا التنزه. والتنزه هنا بمعنى التجوال فيما يتيسر لنا من فضاءات وأزقة منطقة سكننا، أو حتى تجاوزها بقليل. ولكوننا نختار الأزقة الخالية بعض الشيء من المارة التي خبرنا سبلها منذ بداية الوباء لحد الآن. فقد كانت الكمامة غير مستقرة على وجوهنا. فتثبيتها مرهون باكتشافنا لخلو الشارع من المارة، أو إزاحتها حينما يمر أحد من جنبنا، ولو بمسافة عازلة كافية أو غير كافية. ولكونها تسبب لي ضيقا بالتنفس بعض الشيء، بسبب من فشل العملية الليزرية التي أجروها لجيوبي الأنفية. لكن ما أن يلوح أحد ما سواء شخص كبير في السن أو أصغر أو حتى طفلا، حتى نرجع الكمامة لمكانها أو مكمنها المعهود. ولنكسب من هذه العملية بعض من النسائم الباردة المنعشة التي تطرد عنا السأم وتشعرنا بأننا امتلكنا حريتنا المقيدة بمراسيم الوباء، وهي فرجة زمنية قصيرة لكنها مفيدة وممتعة ضمن الفضاء الشتوي المعتم الذي زاده الوباء عتمة على عتمة. لكن لا يعني هذا أن نمررها كل يوم، فالمحاذير حتى من الهواء الذي نستنشقه في جولاتنا هذه ربما يكون ملغوما بالفايروس الخاتل لكل البشرية من حيث لا يدرون من أين تأتيهم مفاجآته الغير سارة، والكارثية أحيانا!.

  1
  5
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال