قراءة لرواية شرخ الماء لعبد الرحمن الخضر

30 مارس  .   3 دقائق قراءة  .    178

 

يقول الكاتب البرازيلي جورج أمادو: ” أكتب لكي يقرأني الآخرون، ولكي أؤثر فيهم، ومن ثمة استطيع المشاركة في تغيير واقع بلادي وحمل راية الأمل والكفاح”.

تذكرت هذا وأنا اقرأ رواية “شرخ الماء”. فالرواية تستطيع أن تكون صورة دقيقة للمجتمع، والكاتب المبدع هو من يحقق ذلك. فيقول لنا عن واقعنا وعن واقعه هو كل شيء بشكل أدبي، فنحن نحتاج أن نعرف عن أنفسنا وواقعنا الذي يخفى منه عنا الكثير، ولأننا نفقد ثقتنا بالأخبار الرسمية يصبح الأدب هو المصدر. الأدب الواقعي هو الذي يمنحنا تلك المتعة ونحن نقرأ واقعنا من خلال العمل الأدبي، فيدفعنا لنقرأ ما بين السطور من تحليلات وتأويلات دسها الكاتب بذكاء ونحن نبحر في سماء

وكما يقول صبحي فحماوي: ” الدراما في الرواية تشدك بخيط سحري…الرواية تفرش الأرض القفراء خضرة وينابيع وغابات، وهي التي تجعل للحياة طعما، ولهذا نكتب الرواية”.

 

كما خطر ببالي ما قاله أرنست هيمنجواي صاحب رواية وداعا للسلاح: ” في جميع قصصي أحاول نقل نبض الحياة الواقعية، ولا أكتفي بوصفها، أو انتقادها، ولكنني أقوم بنقلها إلى الورق، بحيث يشعر القارئ بعد الانتهاء من قراءة قصتي أنه قد عاشها بنفسه بالفعل”. ويقول أيضا:” الكتاب الخياليون ليسوا سوى غشاشين فوق العادة، الذين يستطيعون، إن كانوا يعرفون كثيرا، وكانوا منضبطين في الوقت نفسه أن يكتبوا بحيث تكتسب تخيلاتهم مصداقية أكثر من الحقائق المؤكدة”… لا يخلو عمل أدبي لأدباء أمريكا اللاتينية من سرد الأحداث التاريخية والسياسية التي تشكل جزء مهما من بنية الأدب لأمريكا اللاتينية، حيث يرى الكاتب هناك أنه يلعب دور يُسهم في التعريف بأمريكا اللاتينية وبقضاياها. في أدب أمريكا اللاتينية السياسة شكلت جزء من البنية الروائية ذاتها، دون أن تتحول الرواية إلى بيان سياسي، أو خطابي خال من الملامح الفنية. نلاحظ في رواية حفلة التيس على سبيل المثال الكاتب يستلهم ملامح المكان والإنسان، وكيف تعمل الرواية على عرض المعاناة ونقد الأوضاع وفضح الممارسات.

 

في رواية شرخ الماء، عندما نبدأ بالعنوان نجد أننا أمام شرخ! فهل هو شرخ نفسي، أم شرخ في الذاكرة، بل قد يكون شرخ عميق بين الحلم بالتغيير والواقع الذي نعيشه. شرخ للماء، فهو إذا شرخ لا ترصده العيون مهما كان مخيفا أو مرعبا.

يتنوع صوت السرد في الرواية، وتتغير الأزمنة بين الماضي والحاضر. ونرى الراوي الكاتب يظهر لنا من خلال سطور الرواية ويختفي ليعطي الفرصة لشخصيات الرواية.

الشخصيات في الرواية والأماكن حقيقية، حتى لو حمل بعضهم أسماء مختلفة، والأحداث من صميم الواقع فلا خيال هنا. واقع أكثر غرابة من أي خيال أو فنتازيا بالنسبة لمن لا يعيش هنا.

 

ماذا حدث بعد الثورة التي جاءت لتحرر الإنسان، فها هي تعذب الناس بذات الأدوات، بل زادت عليها بأساليب أكثر امتهانا للكرامة ومحوا للشخصية: ” حين استعاد وعيه أحس بقدميه ثقيلتين ولم يتمكن من تحريكهما، وسمع قلقلة، كان ممدا على بسطة الإسمنت في زنزانته الانفرادية، وقدماه مطوقتان بقيد من الحديد المرود الذي كان يطوقون به أقدام الثوار في معتقلات الإمام”.

يضع الجواب لذلك السؤال: أين ذهبت النخب الثقافية؟ أين بصمات من تعلموا في المجتمع الذي تحرر من العزلة عن العالم وشق الطريق بقوة نحو العلم والخروج من العزلة؟ هل سقط كل من حلم بالتغيير في ذلك الشرخ الذي مس جسد الوطن؟

الفنتازيا في أبهى صورها، تلك الأحداث الواقعية التي تصفع أي خيال، الراوي لا يصف مشاعر الناس وصدمتهم وخوفهم وما حدث لألسنتهم، اعتقلت الألسنة فعاش المواطن معتقل تحت التعذيب في الوطن الذي حلم بتغييره، ومواطن آخر فضل أن يقوم بنفسه بكف لسانه وحبس كلماته وأعمى عينيه ليعيش بسلام. إنه ذلك الشرخ المخيف والخادع الذي لم تتخيل وجوده، فيبتلعك ويبتلع أحلامك.

لا مكان للحب في هذا المجتمع، لا مكان للحياة النزيهة…

 

ترسم الرواية ملامح المجتمع بتناقضاته، في لوحة تتنافر فيها الألوان: حيث مشاعر الحب والشوق، والغدر، وسطوة القوة والتسلط وقهر الآخر. لوحة ترصد الشرخ غير المرئي الذي أفسد الحياة في هذا البلد. مدرسة ومستشفى يُبنيان، وهناك معتقل وزبانية وتعذيب، فساد وقهر ومواطن يعيش مكشوف في العراء لم تتغير حياته.

رصد لأحداث كبيرة وصراعات لا تلتفت لمعاناة المواطن واحتياجاته. ” ليكتشف أخيرا ذلك التماهي الجاري بين العسكر والقبيلة وتنظيم الإخوان المسلمون الذي طغى وسيطر على التوجهات الأخرى التي افترض أن المؤتمر قد تبناها في مرحلة التأسيس”.

 

الشرخ يتجلى في كثير من الوقائع بوضوح: ” كان الفساد يستشري ويعلق بكل تفاصيل الحياة اليمنية، أخذت الثقافة الجديدة تسيطر على كل مناحي الحياة. والشرف ليست تهمة بالعجز فحسب بل وحتى باللاوطنية فإن لم تسرق من الدولة فأنت ضد النظام وضد الجماعة ومع المشروع الحضاري الذي يدعو إليه المجدفون”.

تخللت الرواية كلمات أغاني شهيرة سادت في تلك الفترة، وعناوين للصحف والمجلات المتنوعة التي أثرت الحياة الثقافية في الستينات والسبعينات في المجتمع اليمني، ودار السينما التي كانت تبشر بتغييرات حقيقية يبدو أن ذلك الشرخ ابتلعها في غفلة من الزمن.

تغلب اللغة الصحفية التقريرية على بعض زوايا الرواية، لكنها مناسبة لموضوع الرواية، خاصة والكاتب لم يغرق في فخ كتابة تفصيلات تلك الحقائق والمآسي التي أشار إليها.

 

في تراثنا العربي هناك السرد الغرائبي والسحري في حكايات ألف ليلة وليلة، وتبقى حكاياتنا غنية بكل ما هو غريب وسحري وكأننا نعيش فصول من تلك الحكايات…وهنا السرد لا يسير في خط زمني واحد بل يتنقل بين الحاضر والماضي بما يناسب تلك الأحداث القوية والشخصيات التي تصارع واقع يفوقها قوة.

وهكذا يجد القارئ شخصية عبد الستار ذلك الذي يبحث عنه الراوي وتضيع كل مرة بين الزحام، لكن الرواية تنتهي بلقاء مع عبد الستار الذي يضع قصاصة ورق بيده: ” وكمن يصحو من حلم فركت عيني وفتحت قصاصة عبد الستار هذه التي دسها في يدي وقرأت: توقف عن هذا الذي تكتبه يا عبد الرحمن، ومزق ما كتبت، أشفق عليك في مجتمع لا يقرأ اليوم، وأشك أنه سيكتب غدا”.

  0
  1
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال