قراءة في الجزء السادس لرواية بحثا عن الزمن المفقود: الشاردة - لمارسيل بروست:

21 يوليو  .   5 دقائق قراءة  .    38

 

 

في هذا الجزء من الرواية الذي يحمل عنوان الشاردة تتركز الأحداث حول ألبرتين التي غادرت بيت الراوي كما كان يريد. دفعها بتصرفاته المزعجة لتغادر البيت، عندما صحى ذات يوم وقد غادرت البيت يبدأ هذا الجزء من الرواية. 

 

حيرة وعذاب:

يقف بطل الرواية كثيرا أمام الأماكن التي سكنتها ألبرتين شاعرا بفراغ كبير وألم شديد لفراقها: " ويبدو هذا السرير في غاية الضيق والقسوة والبرودة، عندما يرقد المرء فيه مع ألمه".

الراوي يجسم ذلك النوع من الشخصيات التي لا تدري ما تريد حقا. تسعى بكل طاقتها لأمر ما، وعندما يتحقق، تتراجع بشكل مثير للحيرة وتتمسك بما كان سابقا. يحدث أن يفعل المرء ما يستطيع ليصل إلى نتيجة ما، وعند تحقق ما سعى إليه يشعر بالأسى والحزن وعدم الرضى! 

" وبنقلة مفاجئة عبرت فورا من عذاب الغيرة إلى يأس الفراق" 

فهل هذا أمر طبيعي؟

 

حوار ذاتي:

يكشف الكاتب تخبط بطل الرواية، واضطرابه الشديد. فنعيش عبر صفحات كثيرة من الرواية مع راوي مضطرب يعاني من الأوهام والوساوس والتناقضات الرهيبة. يبحث عن مبررات لأفعاله، يبحث عما يؤيد وساوسه وشكوكه. 

أفكاره وحديثه مع نفسه يظهر نفسية معتلة وعقلية مريضة تتهم الآخرين وتبحث عن مبررات لما تقوم به. ونرى كيف يمكن للشخص المعتل نفسيا أن يبني أحكامه على الآخرين كأنها حقائق. فالأشخاص السيئين والمرضى ينظرون دوما للآخرين بشك.

أبدع الكاتب في الدخول إلى أفكار وعواطف الشخصية المضطربة التي تعكس اضطرابها على من حولها، ولا تستطيع تكوين علاقات اجتماعية سليمة حتى مع أقرب الناس. فالراوي يتفنن  في إيذاء من يحبونه ويتصرف بأنانية مطلقة ويصعب ارضاءه لأنه لا يفهم ما يريد ولا شيء يرضيه. 

التذبذب في شخصية الراوي، الاعتراض لمجرد الاعتراض والتفنن في إيذاء مشاعر من يحبونه، كل هذا يبدو جليا من تعامله مع والدته ورفض اقتراحها دون إبداء سبب واضح، وكل تصرفاته السابقة مع ألبرتين قبل أن تغادر بيته تندرج تحت هذا.

 

حب من نوع خاص:

ويعبر الكاتب عن أغرب سبب للحب حسب وجهة نظر الراوي المضطرب: 

" الحال أن هذا الحب الذي نشأ من حاجة، وهي منع ألبرتين من ممارسة الرذيلة، حافظ على مساره الأصلي لم أكن أكترث بالبقاء معها، بشرط أن اقدر على منع الهاربة من أن تشرق أو تغرب"

لكن علينا ألا ننسى أن الكاتب يصف حب وعشق من نوع خاص لنساء لهن ماض ويتنقلن في علاقاتهن من رجل لآخر. 

كما حدث في قصة حب سوان التي أفرد لها الجزء الأول من الرواية، ويقارن الراوي بين قصة سوان مع أوديت وبين حاله مع ألبرتين. 

 

" رجل منتظر بين حشد كبير، رجل يحبها، لئلا يتمتع بأمسية معها، لأنه يمضي وقته في التمشيط والتشعيث فتنام المرأة التي يحبها، أو لأنه يريد فقط البقاء قربها كي يكون معها أو كي تكون معه أو فقط لئلا تكون مع آخرين" 

هو جحيم العذاب الذي دخله مختارا وهو يعرف أنه يقع في حب امرأة يملكها الجميع، فيقرر أن تكون له وحده.

" رأيت فقط أنه من الأدهى – وهذا ما آمنت به – أن أتركها تعيش تحت تهديد الهجر المستمر"

الراوي يدعو القارئ للعيش مع أفكاره، تلك الأفكار التي تنتقل من فكرة لأخرى، وكأنه يستجدي القارئ أن يقدر أسباب عذابه.

 

عذاب الفراق الأبدي:

عندما يعرف الراوي أن ألبرتين التي كان يأمل استعادتها قد ماتت بحادث سيارة، يصور لنا عبر فقرات طويلة وقع ذلك الخبر عليه، وهذه عينة لما يفعله الراوي:

" إن الفكرة القائلة بأننا سنموت هي أعتى من الموت نفسه، ولكنها تبقى أدنى من الفكرة القائلة بأن شخصا آخر قد مات، وعندما يخف وطؤها بعد أن يبتلع الموت شخصا ما، ينتشر واقع – دون أن يتحرك ساكن في ذلك المكان، يجتث منه ذلك الشخص فتزول كل إرادة، وكل معرفة، ويصعب بعدها الرجوع إلى الفكرة القائلة بأن هذا الشخص قد عاش، كما يصعب – من التذكر الحديث جدا لحياته – الظن أننا نستطيع دمجه في الصور الواهية وفي الذكريات التي تركها شخوص رواية قرأناها"

موت من نحب يشكل صدمة كبيرة يصعب على البعض التسليم بها، فيهربون من تقبل الحقيقة بدل من مواجهتها مهما كانت مؤلمة وهذا ما يعبر عنه الراوي: " لا يمكننا أن نشفى من ألم مالم نعشه بشكل كامل"، والذي يعيش مرحلة حداد وحزن وينغمس فيها. 

ولأنه يتفنن في العيش داخل المآسي التي يختلقها فهو يعيش عذاب فراق ألبرتين بالموت، بعد أن كان يعيش عذاب الغيرة والشك ومحاولة معرفة حقيقة شكوكه حول رغباتها الجنسية المثلية:

" كم هو صعب على الإنسان أن يعرف الحقيقة في هذه الحياة" 

ويقع الراوي في فخ البحث عما يؤيد فكرة صورتها له خيالاته ويظنها حقيقة، فيبدا بالتفتيش عن حقيقة ألبرتين حتى بعد موتها. لا يستطيع الهروب من ذلك الفخ الذي أطبق عليه، لربما هو عذاب الضمير يدفعه حتى يثبت لنفسه أنه لم يظلمها. يريد من يؤكد له أنها كانت مثلية تمارس حياة جنسية شاذة مع الأخريات. فيجد نفسه غارق عذاب من نوع جديد. فيشبه الألم على الفقدان والغيرة بالمرض العضوي مثل السل أو سرطان الدم، لأنه يترك ألم نفسي وربما ألم عضوي كبير يحس به ولا يستطيع الإفلات من قبضته.

"لم اتألم فعليا لموتها إلا عندما جعلتها ذكرياتي اللاإرادية حية بالنسبة لي"،  وكأنه يؤكد أن أفكارنا وكيف نتعامل مع ذكرياتنا هي ما يسبب الألم الحقيقي. 

رغم كل ما نعرفه عن عذابات الراوي ومعاناته وشكوكه لكن الكاتب لم يعط الفرصة لألبرتين لتدافع عن نفسها أو تؤكد صحة رأي الراوي فيها، القارئ يبقى في حيرة لأنه لا يعرف شيئا عن حقيقة ألبرتين، هل كانت شكوك الراوي حقيقية أم أنه ظلم ألبرتين وهي بريئة من كل ذلك. تبقى هذه النقطة مجهولة للقارئ. لم يتطرق لها الكاتب الذي كان جل اهتمامه مركز على مشاعر وخيالات الراوي ومعاناته.

 

الأحداث التاريخية: 

الرواية تشير إلى ما يحدث في الفترة الزمنية للأحداث التي يمر بها شخوص الرواية، وأثر تلك الأحداث وحتى تلك التاريخية على حياة الناس. فيشير إلى الحرب الفرنسية الألمانية أو الحرب الفرنسية البروسية استمرت من 19 يوليو 1870 إلى 10 مايو 1871، نتيجتها سقوط الإمبراطورية الفرنسية الثانية، وتأسيس الجمهورية الفرنسية الثالثة. وتأسيس الإمبراطورية الألمانية. ومعاهدة فرانكفورت وإلحاق الإلزاس واللورين بألمانيا. ولا ينسى الكاتب أن يرسم ملامح تغير الحياة والمعايير الاجتماعية وتساقط كل القيود والمعايير القديمة، فما كان ممنوعا في زمن يصبح مسموحا ومقبولا في زمن آخر فلا شيء يثبت للأبد.

ولا يفوت الراوي أن يعبر عن اعجابه بذلك “ الخبز العجائبي الكثير الطيات الذي هو واحد وعشرة الآف في آن ويبقى هو هو.. ”، وأظن أن هذه ترجمة حرفية وقع فيها المترجم لذلك الخبز العجائبي (Mille-feuille) أو الميل فوي، الحلوى الفرنسية المتعددة الطبقات.

 

يمتاز هذا الجزء من الرواية بسهولة قراءته خلاف الأجزاء السابقة. الأحداث هنا ليست متشعبة ومتداخلة بل في أغلبها مركزة على مشاعر الراوي تجاه ألبرتين التي رحلت. إلا أن هناك صعوبة في تتبع بعض الشخصيات لأن الكاتب يذكر بعض الشخصيات بطرق مختلفة، تارة بالاسم الأول وتارة باسم العائلة ناهيك عن ذكرها مرات باسم الدلع أو التدليل.

في هذا الجزء يتغير المترجم. الراحل إلياس بديوي ترجم الأجزاء الخمسة السابقة والجزئين السادس والسابع من ترجمة د. جمال شحيد. 

  1
  3
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال