20 مايو .
4 دقائق قراءة .
162
الرواية: أغالب مجرى النهر
اللغة: العربية
البلد: الجزائر
عدد الصفحات: 288
دار النشر: هاشيت أنطون البنان
تاريخ النشر: 2025
مقدمة
قدم الكاتب سعيد خطيبي نصه الروائي أغالب مجرى النهر برؤى تحليلية للواقع الذي تعيشه بلده ”بوسعادة“ مستمدها من ذاكرة تاريخية لفترة التسعينيات بمنهج نقدي يشرح مفاهيم الواقع وتناقضاته. مركزا على العلاقات الداخلية والمصيرية ومسألة الهوية الوطنية، ضمن سرد بنيوي تحليلي في سياق تحقيق بوليسي ضمني وأجوبة.
القراءة التحليلية
استعار الكاتب من التاريخ الوجودية الحتمية لمعنى النهر ومجراه من ذوات متشظية في مرآة الحياة بسرد أدبي بارع، طرح عبره قضايا اجتماعية عميقة ونفسية مريضة وسياسية معقدة في مفهوم النسق المضمرة, بقيم وأفكار تتسلل إلى النص, واضعا القارئ أمام تشريح فكري ثقافي وموروث اجتماعي مستوطن، وقضايا متجاذبة، مبيناً أن النص الأدبي بوصفه بنية لغوية منتجة للمعنى حاملة لأنساق ثقافية مضمرة تؤثر في الوعي الجمعي. يخفي في معانيه استدعاء ضمنيا لقضايا مصيرية معقدة، كاشفا عن العلاقة بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي الذي نشأ فيه، متمثلة بقضايا مختلفة ملتقيا تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى خطاب فني دال.
الأسلوب السردي وأبعاده
افتتح الكاتب روايته بجريمة ليست لغا بوليسيا بل عتبة لفهم بنية مجتمعية أكثر تعقيدا، بين حاضر يعاش وماض مثقل بأزماته وعقده.
كانت المرأة نفس المجتمع حاضرة بكل أوجاعها، تتساقط عليها أسئلة من المحقق دورقين في جريمة تسمم (طبيب التشريح زوج الطبيبة عقيلة الأخصائية بطب العيون) وأجوبة تدين المجتمع وتجرّمه وتضعه تحت المساءلة. كأنه يتوسع في مفهوم التجربة الإنسانية للفرد الذي يعيش في توتر دائم بين (الأنا ونحن) وأن القضايا التي تواجه البشرية أزمات تتسم بطبيعة مركبة من خلال سؤال يطرح وجواب يعمق.
فالمشهد ليس لحظة عابرة، بل ذاكرة وتاريخ وموروث اجتماعي واغتراب ذوات داخل أزماتها في تحولات كبرى شهدتها الجزائر في فترة التسعينات، ما سميت بالعشرية السوداء، ليخبرنا الكاتب عن مصير الهوية الجزائرية في مشهد درامي لشخصية الأب عزوز الرئيسية الثانية، يرويه متناوبا بين (الأنا وبين الراوي العليم) مدخلا صميم مسيرته كجندي محارب قدم تضحيات كبرى، وكرجل بنى ذاته من مستنقع الفقر والجهل، مبحرا في عالمه المتأرجح بين قضاياه وانتماءاته.
الشخصيات الروائية
تقدم الشخصيات حالة الشواش المفرطة للواقع والإبهام الشديد والعسير في استيعابه. تنبثق منه الصراعات الثقافية والخطابات الهوياتية التي تتدهور وتتحول الى ابتزاز وردة فعل ضد كونية الأنوار وخلق مجتمع العقدة الدونية. عقيلة طبيبة عيون تعمل في عيادة خاصة، شخصية جدلية تتصارع بين القيم الإنسانية والبعد الأخلاقي. تأخذ قرنيات من موتى وتنقلها لمرضى فاقدي البصر، معتدية على حرمة الموتى تحت مقولة (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) وتتقاضى الثمن، وبين حاجة المريض الحرجة. شخصيتها خانعة للعادات المجتمعية تعنّف من قبل زوجها، تؤمن بالمشعوذات، لكنها ذكية وفي المدرسة نالت علامات جيدة أهلتها لدراسة الطب.
عزوز "الأب” الشخصية الرئيسية في نسج خيوط الرواية وعصب محركها فهو من عائلة فقيرة عاشت في قرية نائية بعيدة عن الحياة انتقل مع صديقه بودو ليعمل في المدينة عتالا في “المرفأ” ثم تطوع في الجيش ليدافع عن وطنه ضد المستعمر الفرنسي، تآمر عليه رفاق الدرب متهمينه بالعمالة بسبب رفضه حرق مقهى أخيه، مما أدى إلى سحب هويته وتجريده من وطنيته عدا عن خذلانه من أقاربه وعائلته.
مخلوف طبيب التشريح زوج “عقيلة أبو مينة” يعمل في المشرحة، يمد زوجته بالمعلومات عن قدوم وفيات حديثة. يتقاضى ثلاثة أرباع أجرة الدكتورة عقيلة من زرع القرنيات ويتبرع بها إلى دار الأيتام لكنه أيضا يعتدي جنسيا على القاصرات مستغلا حاجتهن للمال. لم يبن علاقة حب مع زوجته بل كان يعنفها ويشتمها بعبارات نابية. ليموت بحادث سيارة مسروقة. قيل السم هو سبب الوفاة.
ميلود الممرض (أخ الدكتورة ابن عزوز) يعمل في عيادة الدكتورة عقيلة يسرق أدوات طبية يبيعها ليصرف على ابنته “حليمة” غير الشرعية في دار بابا ياقوت، شخصية ضعيفة متواضعة العلم ومستكينة.
بودو الصحفي بعد الاستقلال والتحرير ذهب إلى فرنسا وعمل في الصحافة والتلفزيون الرسمي، له مكانة حيث يمثل السلطة الرابعة. صوته مسموع، ثم انتقل إلى العاصمة الجزائر، عمل في الإذاعة والتلفزيون، وربما كان الصوت المنقذ لصديقه عزوز الذي يعرف تفاصيل مرارته. فكان الأمل الموعود في نصره والحلم المنشود لعقيلة لانشاء جامعة في مدينتها النائية لكنه توفي بحادث سيارة في طريق قدومه إلى المدينة لتقتل الأحلام في مهدها. لماذا قتل برأيكم؟ هل الآمال كذبة؟ وبالعمل نخلق الأمل؟ أم لكم رأي آخر؟
الدكتورة شهلا البرق طبيبة نسائية متسلطة تمثل السلطة السياسية ببطشها وظلمها، تقوم بعمليات غير قانونية مثل “الاجهاض” بأسعار عالية.
إدريس المحقق مع عزوز، وهناك شخصيات ثانوية لها دور في الحبكة الروائية مثل بابا ياقوت، ثامر، حليمة، والد مخلوف وصديقه، ومليك ابن عزوز وبابا ياقوت وقمرة الشخصية النمطية التي تهتم بابنة عقيلة، صديقة وجارة قمرة نوسة صلة الوصل بين كل القضايا المطروحة وعندها الخبر اليقين.
إنها صورة لمجتمع منهك متهالك، كل الذين غالبوا مجرى النهر جرفهم تيار الرداءة والسخافة. سعيد خطيبي كان الأمل الذي تخلقه شجيرة يتيمة في صدر مزارع متلهف على الثمرة وفي سنواتها الأولى منحته ما يرغب.
اللغة
كانت بليغة ورشيقة، مناسبة للنص الروائي مشحونة أحيانا بمشاعر وأحاسيس درامية عبرت عن الحالة الواقعية. الألفاظ جاءت عفوية أحيانا تحمل حكما وموروثا فكريا وعبارات أخرى تخدش الحياء، الجمل قصيرة مباشرة سرعت الإيقاع الروائي. تخلل النص بعض الجمل الطويلة التأملية التي تصف الحالة. أصوات السرد متناوبة بين الشخصية الرئيسية والراوي العليم لتوسيع الفضاء الروائي.
الهوية والانتماء والبعد الإنساني والاجتماعي
طرح قضية المحاربين القدامى وهي قضية مصيرية ومسألة الهوية الوطنية، الانتماء العقائدي والحركات الاسلامية ودورها في تخريب النسيج المجتمعي والتعدي على الحريات الشخصية وأيضا الفساد السلطوي واستغلال المناصب الحكومية، تعنيف المرأة، والمجتمع الذكوري، وتجارة الأعضاء الغير شرعية. ألمح الى سن قانون ينظم حاجات المجتمع المتنامي فكانت قضايا حياتية مصيرية على رمال متحركة.
الحبكة
إنها تحفة فنية من الفرادة تضاهي مونولوجاَ مطولا أليما لكاتب حطمته رحى الحرب. وتحفة من النظرة الأدبية. إنجاز يسلب الألباب، له طريقته في طرح الثنائيات وكشف عزلة الإنسان داخل عالم مترابط ظاهريا فارغ المعنى. سرد روائي مميز في مكتب تحقيق بجريمة تسمم طبيب التشريح وموتهـ بأسئلة معقدة في مضامينها تخرج الجواب من ثغر الحكايات، متدرجة بالنمو والتطور الدراماتيكي حيث الحكاية تتشعب مجاريها وتتشابك خفاياها ويبقى صوت الخلاص يصرخ عاليا، آملا بولادة جديدة من عتمة المستور.
خاتمة مفتوحة، يقول القارئ كلمته. لقد وفق الكاتب في نبش الجراح وإعلاء صوت الظلم وكشف ستار محرم المس به ووضعه تحت المجهر. نال الكاتب فوزا على مستويات عدة وتوج بجدارة فائزاً بالجائزة العالمية للرواية العربية.
ملتقى الراويات
كتابة سهام جبريل
تحرير داليا أبو العطا
