فقدان الشهية وانتهاء الصلاحية٧ دقائق
فقدان الشهية وانتهاء الصلاحية
مجتمع وقضايا

فقدان الشهية وانتهاء الصلاحية

تاريخ انتهاء الصلاحية

شادي رزق
شادي رزق · ٧ دقائق قراءة · ١١٣ مشاهدة
فقدان الشهية وانتهاء الصلاحية
شادي رزق

17 يونيو  .   7 دقائق قراءة  .    113

تاريخ انتهاء الصلاحية

    الظواهر الاجتماعية، عبارة تبدو للبعض بسيطة وسهلة للتداول وتعميم الحالات التي تبدو لنا سائدة.
في حين أن الأمر مختلف كي نطلق عبارة أن حدثا ما بات ظاهرة يتطلب جهداً بحثياً كبيراً، من دراسات مختلفة ذات أوجه منهجية متعددة ومدة زمنية معينة.
    لكن، هناك ما يسمى بالملاحظة أو المشاهدة العيانية البسيطة، التي تعتبر اللّبنة الأساسية لبناء بحث أو دراسة اجتماعية أو نفسية أو اقتصادية....الخ. أمثال هذه المشاهدات تدفع الباحث للتوجه إلى تأكيد هذه الملاحظات أو نفيها تبعاً لدراسة أكاديمية مؤطره. هذا الطرح يضعنا أمام الكثير من المواضيع الشائعة في مجتمعاتنا اليوم والتي تحتاج إلى تحقيق علمي للتحقق من مدى حقيقة انتشارها كما نظن، ولمعرفة ما هو الجيد منها لتكريسه كظاهرة اجتماعية، وما هو السلبي لإيجاد الخطط المناسبة للتخلص منه لضرره على المجتمع.


اقرأ أيضا:

نظرية التبادل الاجتماعي


فقدان الشهية للحياة

    ومن هذه المشاهدات التي اصبحت تزداد شيوعاً في الآونة الأخيرة بشكل ملفت هي "فقدان الشهية للحياة". عندما تكون مقرّباً لعدد كبير من الناس، وفي بعض الأحيان لست مضطرا لتكون بهذا القرب، فإن أكثر ما تسمعه وتتحدث عنه هو انعدام الرغبة واضمحلال الدافع نحو حتى نحو أداء المهام الروتينية اليومية منها وحتى الجديدة أيضاً. غالباً ما يصف الأشخاص شعورهم بالتحول إلى روبوت آلي يؤدي ما يجب عليه، أما العمليات الحيوية فالجيد بالأمر أنها لاإرادية. وهذا مؤشر خطر!
    كثيرون من الشباب يشعرون أنهم بغيبوبة، أو حالة موت سريري، يقتصر مفهوم المتعة لديهم على الحد الأدنى للاختزال للمعاني والقيم والمفاهيم، مثل متعة بمشوار بسيط أو مشاهدة مباراة. لا وجود لفهم أعمق للحياة وإدراك أدّق لمفهوم التمتّع بالعيش!
هنالك غياب كبير لمتعة الإنجاز أو الإنتاج، كثيراً ما يعبّرون أن الحياة تزداد تعقيداً وتفاهة بآن معاً، وكلما ازداد التعقيد والمتطلبات إما اليومية أو حتى المهنية يزداد معها فقدان الشهية بالشعور بالإنجاز حين الانتهاء، علماً ان العكس هو الذي يجب ان يكون صحيح. وهذا مرتبط بشكل مباشر بعدم التمتع بالمرحلة كاملة باعتبارها كُلّ متكامل أي أن الإنجاز يبدأ من بداية العمل وحتى النتيجة، العقلية اليوم تختصر النتيجة على المنتج مهما كان بسيطاً أو معقداً، وليس على قيمة الأداء الكلّي.

    فكلما ازداد الجهد المنسكب في الإنتاج -مهما كان شكله- يجب ان يترافق مع نسبة من الرضى توازيه أو تفوقه، إما الرضى الذاتي النابع من الداخل أو التقدير الآتي من الخارج وفي كلا الحالتين يرفع الحافز لدى الشخص نحو إنتاجية أفضل وأعلى من حيث الكم والنوع. وهو متنحي في مجتمعنا اليوم تقريباً، فلا الأفراد لديهم تقييم موضوعي لأنفسهم، ولا وجود حقيقي لتقدير اجتماعي إيجابي وداعم.

    إن سواد مفهوم المصلحة في العقود الأخيرة هو ما ساهم بانتشار واسع لفقدان شهية العيش، فقد أصبحت أغلب العلاقات وأشكالها أيّا تكن مرتبطة بما يسمى النفعية أو نظام المنفعة والتي ترتبط بشكل مباشر بالمصحلة من حيث الكسب أو المكسب المادي بالمعنى العريض للعبارة. وتكريس دور الأنا والفرد على حساب القيمة والمنفعة العامة.

    هذه الشبكة من الروابط النفعية المصلحية لعبت دوراً كبيراً في مجتمعاتنا بإفراغ المعاني الحياتية والقيمية، من حيث أن دخولها علينا كان شمولي أي للعديد من نواحي الحياة اليومية وعلى رأسها الاجتماعية والمهنية، ولم يقتصر فقط على الحياة الاقتصادية وينحصر فيها، بل تعدّى ما حيث ييجب ان يكون ليظهر حيث يجب ألا يكون. كما أن أنظمة العمل في المجتمع أصبحت متعددة وبالتالي كانت تفرز أنماط اجتماعية مختلفة وغير متوازنة ومتوازية، على سبيل المثال دخول النظام الرأسمالي إلى ميدان العمل في مجتمعات ذات بيئة اشتراكية في العديد من قطاعاتها المدنية وفي الأرياف التي لم يطلها كلا الاثنين استمرت في نظام إما شبع إقطاعي أو يعتمد على المهن التقليدية البسيطة. ومع مرور الوقت لم يزح أحد الآخر بل استمر الجميع بالحضور على الساحة الاقتصادية وبتنا نرى منعكساته على الواقع الاجتماعي، وليس القصد هنا فقط الدخل المالي للأفراد بل كافة أشكال الحياة الاجتماعية والنفسية وأنماط الاستهلاك وسواها، ودخول ثقافات مختلفة إلى الحيز الاجتماعي الخاص والذي يحمل الكثير من الإرث الخاص ومنه التقليدي والديني والعشائري ....الخ. هذه التركيبة المعقدة أدت إلى تردّي الواقع النفس-اجتماعي للفرد.

    كما ان مجتمعاتنا لم تكن جاهزة لاستقبال مثل هذه الأفكار، ولا تملك الأرضية المناسبة لها، ولكن لابد من وصولها، وحين تصل وبحكم أننا أشخاص نميل إلى التعميم تجدنا نسارع إلى تبّني هذه الأفكار على أنها نافعة لنا كما كانت نافعة لغيرنا.

    كثيرون باتوا يستلذون الحالة، ويؤمنون ان هذا هو شكل الحياة الطبيعي والسائد، حياة تقتصر على الغرائز الطبيعية وتلبيتها، أكل وشرب ونوم وتكاثر وتسلية وعمل. حياة غير مفعمة بالأهداف والتطلعات والرغبة بتحقيق إلّا الحد الأدنى من الأمان المتمثل بدخل ثابت وامتلاك منزل وسيارة والعيش بمأمن للتقاعد، أما من لديه أبناء فهو أيضا ينشغل بالتفكير لما يمكنه تقديمه لهم ولمستقبلهم.

    الجميع منشغل بتلبية الاحتياجات الأولية، نخرج من المنزل الثامنة صباحاً ولا أحد يعود قبل السادسة مساء، منهك يشعر بالاستنزاف من الضجيج المرافق لليوم من أعمال، ولكنه حين ينظر إليها من الخارج يرى أنها في كثير من النواحي لا تشبهه، ريثما يأكل ويرتاح ويستجمع نفسه تكون قد أصبحت التاسعة ليلا! لم يعد هناك وقت للنظر إلى رواية أو مقالة أو لقاء أصدقاء أو ترتيب البيت الداخلي أقصد الأفكار والعواطف وأولويات الحياة.

    في حوارات جانبية مع أشخاص عدّة، عبّروا عن أنفسهم بأنهم يشبهون العبوات الغذائية بتاريخ الصلاحية المختوم عليها، فالجميع منتهي الصلاحية من حيث التاريخ المطبوع على العبوة، في أن مظهره الخارجي لا يبدو عليه الفساد. هذا هو حال العديد من المنتجات فهي إن تركت لأعوام بعد انتهاء صلاحيتها فإنك لا تشاهد أي تغيّر في قوامها، لكنها غير صالحة للاستهلاك. أشكال جميلة ومظهر ملفت ولكن الغوص في العمق يريك الهشاشة والضعف.

    نحن أمام تحدي كبير على المستوى النفس-اجتماعي، يجب إعداد خطة شاملة لفيتامينات اجتماعية تغذّي رغبة الأفراد بالحياة وتوقد شحناتهم وطاقاتهم الكبيرة وبالتأكيد رغم قلّة الموارد وصعوبة الظروف تبقى الحلول الممكنة كثيرة.

إلى أن تصبح الخطة الجماعية ممكنة، الدعوة الفردية متاحة، لكل أحد ان يعيد ترتيب حسابته تجاه استحقاقات الحياة وحياته تحديداً. فلا أحد تنتهي صلاحيته ولا أي إنسان حتى بعد موته. 


اقرأ أيضا:

ايغلبك الشوق ام تغلبينه

شخص عالق في ذهنك






أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

6أثار تفكيري
4لمس قلبي
التالي في «مجتمع وقضايا»

نظرية التبادل الاجتماعي (نظرية ميكروسوسيولوجية في علم الاجتماع)

١ تعليقًا

  6
  4
 1

مواضيع مشابهة

Maher
Maher 28 مارس
 1
 4
 0
١ دقيقة
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال
Moaaz Ba
15 يونيو
أردت أن أشارك معك استاذ شادي ان اكثر ما يجعل للحياة التي اعيشها بعض الطعم ويجعلني لا افقد شهيتي هو الأمور العقائدية المتعلقة بالدين او القضايا التي اعتنق فكر الدفاع عنها بالإضافة إلى تعرفي في كل فترة وفي كل مكان اذهب اليه إلى أشخاص من امثالك يجعلوني اتعرف على خبرات وافاق جديدة في مختلف نواحي الحياة
  0
  0
 1